السيد الخوئي

29

مصابيح الأصول

ان الاعراض تتوقف - في وجودها - على وجود معروضاتها ، بخلاف الوضع ، فإنه وان كان يعرض على متعلق ، إلا أنه لا وجود له خارجا ، بل طبيعي اللفظ يوضع لطبيعى المعنى . اما اللفظ الخارجي فليس بموضوع للمعنى ، وإلا لا نعدم الوضع بانعدام ذلك الموجود ، بل ربما يوضع اللفظ لشئ لا وجود له : كالعنقاء ، أو يجعل لشئ مستحيل بحسب الوجود : كشريك الباري . وكيف كان فالوضع - بحسب الحقيقة - ليس من قبيل الجواهر والاعراض ، بل هو من سنخ الملازمات العقلية غير القابلة للانفكاك . وهذه الملازمات العقلية من الأمور الواقعية ، وهي سنخ من الوجودات التي يدركها العقل ، فلو قلنا : العدد إن كان زوجا فهو قابل للقسمة على المتساويين ، فالملازمة - بين الزوجية وقبول القسمة على المتساويين - امر واقعي وسنخ من الوجود يتعقله العقل ، والقضية الشرطية تصدق بصدق الملازمة وإن لم يكن طرفاها صادقين ، كالملازمة بين تعدد الآلهة والفساد في قوله تعالى : ( لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا . . . ) ولكن هذه الملازمة العقلية ( تارة ) لا تنتهى إلى جعل جاعل ، بل تكون موجودة وثابتة من الأزل حتى النهاية : كالملازمات التكوينية . . . و ( أخرى ) تنتهى إلى جعل جاعل على نحو لم تكن ثابتة من البداية أزلا ، وإنما جعلت ابتداء فأصبحت ثابتة بين الامرين من حين جعلها ، وهي مع ذلك من الأمور الواقعية . اما الوضع فهو من قبيل الثاني ، حيث إن الواضع - قبل وضعه - تصور اللفظ مجردا عن المعنى ، وتصور المعنى من دون اللفظ ، وليس بين الاثنين ملازمة ، ثم بعد ذلك جعل ما تصوره من اللفظ على المعنى المتصور ، فاوجد علقة وربطا بينهما ، وصار كلما يطلق اللفظ في مورد